ابن قيم الجوزية

29

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

في مراتب الهداية الخاصة والعامة . وهي عشر مراتب المرتبة الأولى : مرتبة تكليم اللّه عزّ وجلّ لعبده يقظة بلا واسطة ، بل منه إليه . وهذه أعلى مراتبها ، كما كلم موسى بن عمران ، صلوات اللّه وسلامه على نبينا وعليه . قال اللّه تعالى وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النّساء : 164 ] فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح والنبيين من بعده ، ثم خص موسى من بينهم بالإخبار بأنه كلمه . وهذا يدل على أن التكليم الذي حصل له أخص من مطلق الوحي الذي ذكر في أول الآية . ثم أكده بالمصدر الحقيقي الذي هو مصدر « كلم » وهو « التكليم » رفعا لما يتوهمه المعطلة والجهمية والمعتزلة وغيرهم من أنه إلهام ، أو إشارة ، أو تعريف للمعنى النفسي بشيء غير التكليم . فأكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبة ورفع توهم المجاز . قال الفراء : العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل . ولكن لا تحققه بالمصدر ، فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام ، كالإرادة . يقال : فلان أراد إرادة ، يريدون حقيقة الإرادة . ويقال : أراد الجدار ، ولا يقال : إرادة . لأنه مجاز غير حقيقة . هذا كلامه . وقال تعالى : وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] وهذا التكليم غير التكليم الأول الذي أرسله به إلى فرعون . وفي هذا التكليم الثاني سأل النظر ، لا في الأول . وفيه أعطي الألواح . وكان عن مواعدة من اللّه له . والتكليم الأول لم يكن عن مواعدة . وفيه قال اللّه له قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي [ الأعراف : 144 ] أي بتكليمي لك بإجماع السلف . وقد أخبر سبحانه في كتابه : أنه ناداه وناجاه . فالنداء من بعد ، والنجاء من قرب . تقول العرب : إذا كبرت الحلقة فهو نداء . أو نجاء « 1 » وقال له أبوه آدم في محاجته « أنت موسى الذي اصطفاك اللّه بكلامه ، وخط لك التوراة بيده ؟ » . وكذلك يقول له أهل الموقف إذا طلبوا منه الشفاعة إلى ربه . وكذلك في حديث الإسراء في رؤية موسى في السماء السادسة أو السابعة ، على اختلاف الرواية . قال : « وذلك بتفضيله بكلام اللّه » ولو كان التكليم الذي حصل له من جنس ما حصل لغيره من الأنبياء لم يكن لهذا التخصيص به في هذه الأحاديث معنى . ولا كان يسمى « كليم الرحمن » وقال تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [ الشّورى : 51 ] ففرق بين تكليم الوحي ، والتكليم بإرسال الرسول ، والتكليم من وراء حجاب . المرتبة الثانية : مرتبة الوحي المختص بالأنبياء . قال اللّه تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [ النّساء : 163 ] وقال : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [ الشّورى : 51 ] الآية فجعل الوحي في هذه الآية قسما من أقسام التكليم . وجعله في آية النساء قسيما للتكليم . وذلك باعتبارين . فإنه قسيم التكليم الخاص الذي هو بلا واسطة ، وقسم من التكليم العام الذي هو إيصال المعنى بطرق متعددة . والوحي في اللغة : هو الإعلام السريع الخفي ، ويقال في فعله : وحي ، وأوحى . قال رؤبة :

--> ( 1 ) في لسان العرب : وفي حديث الشعبي « إذا عظمت الحلقة فهي نداء ونجاء » .